الحلبي

149

السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )

بمجرد ذر الذرور . وتقدم في قصة الرضاع أن ذلك كان من إمرار يد الملك واستمر أثر التئام الشق بشاهد كالشراك . وفي الدر المنثور عن زوائد مسند الإمام أحمد عن أبي بن كعب ، عن أبي هريرة قال : « يا رسول اللّه ما أول ما رأيت من أمر النبوّة ؟ فاستوى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم جالسا وقال : لقد سألت يا أبا هريرة إني لفي صحراء ابن عشرين سنة وأشهر ، إذا بكلام فوق رأسي ، وإذا برجل يقول لرجل أهو هو ، فاستقبلاني بوجوه لم أرها لخلق قط ، وثياب لم أرها على أحد قط ، فأقبلا إليّ يمشيان حتى أخذ كل واحد منهما بعضدي ، لا أجد لأخذهما مسا فقال أحدهما لصاحبه أضجعه ، فأضجعاني بلا قصر ولا هصر » أي من غير إتعاب « فقال أحدهما لصاحبه : افلق صدره ، ففلقه فيما أرى بلا دم ولا وجع ، فقال له : أخرج الغلّ والحسد فأخرج شيئا كهيئة العلقة ثم نبذها فطرحها فقال له أدخل الرأفة والرحمة فإذا مثل الذي أخرج » أي ليدخله شبه الفضة « ثم نقر إبهام رجلي اليمنى وقال اغد واسلم فرجعت أغدو بها رأفة على الصغير ورحمة على الكبير » ولم يذكر في هذه المرة الغسل فضلا عما يغسل به ، ولم يذكر الختم ، ولكن قول الرجل للآخر أهو هو يدل على أن الرجلين ليسا جبريل وميكائيل لأنهما يعرفانه ، وقد فعلا به ذلك في قصة الرضاع . وقد يدعي أن هذه الرواية هي عين الرواية قبلها ، وذكر عشرين سنة غلط من الراوي ، وإنما هي عشر سنين . ثم رأيت ما يصرح بذلك وهو كان سنه عشر حجج ، وقد تحمل هذه المرة أي كونه ابن عشرين سنة ، على أن ذلك كان في المنام وإن كان خلاف ظاهر السياق . وقال صلى اللّه عليه وسلم في المرة التي هي عند ابتداء الوحي : « جاءني جبريل وميكائيل فأخذني جبريل وألقاني لحلاوة القفا ، ثم شق عن قلبي فاستخرجه ، ثم استخرج منه ما شاء اللّه أن يستخرج » ولم يبين ذلك ما هو « ثم غسله في طست من ماء زمزم ثم أعاده مكانه ثم لأمه : أي بذلك الذرور : أي بإمرار يده أو بهما جميعا ثم أكفأني كما يكفى الإناء ثم ختم في ظهري » . يحتمل أن يكون المراد في غير المحل الذي ختمه في قصة الرضاع وهو بين كتفيه . ويحتمل أن المراد بظهره المحل الذي ختمه في قصة الرضاع . وفيه أنه لا معنى لوضع الختم على الختم كما تقدم ويمكن أن تكون الحكمة في الجمع بين جبريل وميكائيل أن ميكائيل ملك الرزق الذي به حياة الأجساد والأشباح ، وجبريل ملك الوحي الذي به حياة القلوب والأرواح ، والمرة التي هي عند المعراج سيأتي الكلام عليها . وفيها أن الختم وقع بين كتفيه وفيه ما علمت . وقد علمت أن شق الصدر والبطن غير شق القلب ، وأن شق القلب وإخراج